الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

42

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

أن يتخذ من سيد همدان السيد البطل القرم ركنا شديدا يأوي إليه ، لما يربطه به من صلة القربى والرحم وحارسا أمينا يحمي مبادئه ويذب عنها . ففتح له من قلبه ونفسه ومن بلده وسيفه وسنانه . فانقطع إليه واستظل بظله ، وكان منه خلا صاحبا ، شاركه في جميع حركاته وسكناته حتى في أحرج المواقف وبين المعامع ووسط المعارك . كما اتخذ من ريدة البلد الأمين منزلا رحبا ومسكنا طيبا . وانظر الجزء العاشر من الإكليل كيف يشيد بسيدها ، كما أشاد بريدة في الجزء الثامن منه ، إذ قال في وصف قصر تلفم : وهو جبل في سرة همدان ، وهي « ريدة » مسكن الهمداني . وكما نقل البكري في معجمه في مادة تلفم ج 1 ص 318 ما نصه : قال الهمداني : « وبتلفم ألفنا كتابنا هذا » كما أن بعض نقلة الأخبار يزيد في التعريف به بقوله « الريدي » وحينئذ فلم يبق لدينا شك في أن الهمداني قد اتخذ « ريدة » مسكنا ودارا ، ملعب أترابه ، ومسرح أفراحه وأتراحه ، ومركز نضاله ونقطة انطلاقه . الهمداني في صعدة نجهل المعلومات التي دفعت المؤلف إلى سكنى صعدة ، والتي جعلته يقيم فيها عشرين سنة ، كما يحدثنا بذلك في الجزء الأول ص 199 حيث يقول : « وقد سكنت بها عشرين سنة ، فأطللت على أخبار خولان وحمير وأنسابها ورجالها ، كما أطللت على بطن راحتي وقرأت بها سجل محمد بن أبان الخنفري المتوارث من الجاهلية » . ولكنه يشتم من كلامه في هذا الجزء ومن صفة جزيرة العرب ، أن صعدة لما كانت على طريق الحاج من مختلف الجهات اليمنية ، وهمزة وصل بين اليمن ونجد والحجاز ، فقد كان المؤلف ينزل بها في قدماته إلى مكة المكرمة ، استطاب مناخها واتصل برجال باديتها من خولان وهمدان وأحبهم وأحبوه ، فحبّذ سكناها هذه المدة الطويلة وعمر بها دارا وامتلك عقارا . ومن جهة أخرى كان شغوفا باستقصاء أخبار وطنه عن كثب ومعرفة مسالكه وشعابه وأوديته وقبائله . كما كان يحب أن يجمع كلمة اليمنيين ويوحد صفوفهم وأن يعيد مجدهم وسيرتهم الأولى أيام سبأ وحمير وابعاد الطارئين عليها ، لما كان يتنبأ بالخطر الداهم الذي يجتاح البلاد من جراء هؤلاء الطارئين ، وقد كان تنبؤه على حق وفلسفته عن يقين ، وكأنه رأى الغيب من ستر رقيق . ولما امتلك قلوب خولان بسحر بيانه وشدة عارضته وقوة حجته ، وغرس فيهم حب الوطن والاحتفاظ بالشخصية اليمنية اللتين كانتا تملكان عليه شعوره ، ويذوب في قحطانيته ، كان موضع تقديرهم وإجلالهم ، بحيث شاركوه في حلو العيش ومره ، كما شاركهم الشعور نفسه ، فلم يقف مكتوف اليدين ، بل ناضل بقلمه وبيانه ، كما ناضل بسيفه وسنانه ، وأشاد بأبطال خولان لا سيما بالمعاصرين له منهم بتلك الأبيات العامرة والقصائد الطنانة ، حتى استطاع بما أوتي من بيان وحكمة وسياسة ورياسة أن ينزل بأعدائه الذل والهوان ، ويلحق بهم خسائر فادحة